الإثنين , يونيو 21 2021
أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / قواعد جديدة للاشتباك بين الرباط ومدريد!

قواعد جديدة للاشتباك بين الرباط ومدريد!

   بقلم عادل بنحمزة 
لا جدال في أن المغرب وإسبانيا حققا قفزة نوعية في مجالات التعاون على صعيد جميع المستويات، لكن بحكم طبيعة الجوار الذي يشبه السكن في منزل واحد، تولد المشاكل والأزمات بشكل دوري حتى تبدو وكأنها جزء من طبيعة العلاقات، وهي الأزمات التي كلما ازداد تشابك المصالح سهل التحكم فيها، وبالمقابل يبقى وجود قضايا عالقة وفي مقدمها ملف سبتة ومليلية إحدى العوامل التي تؤدي إلى تناقض المصالح الوطنية للبلدين في بعض اللحظات، وتجعل الجوار، مهما تقدم، مشوباً بكثير من التوجس والحذر” بهذه الفقرة البالغة الدلالة أنهى الكاتب المغربي نبيل درويش كتابه الهام المعنون بـ”الجوار الحذر… العلاقات المغربية – الإسبانية من وفاة الملك الحسن الثاني إلى تنحي الملك خوان كارلوس” والصادر سنة 2015، فها نحن نشهد اليوم تجدد الأزمة بين البلدين، والتي تتخذ اليوم عنواناً بارزاً هو الهجرة وإعادة صياغة مشتركة لقاموس المصالح المشتركة بين البلدين، فقد أظهرت الأزمات المتلاحقة منذ نهاية 2020 على الأقل، أن تأويل تلك المصالح يوجد على طرفي نقيض.
الصورة التي تناقلتها وسائل الإعلام الإسبانية ومعها الأوروبية كرجع الصدى للإعلام الإسباني، هو أن المغرب يبتز إسبانيا ومعها أوروبا في موضوع الهجرة والأمن، ذلك أن الرباط قررت في نهاية الأسبوع الماضي أن تخفف قيود قواتها الأمنية على الراغبين في الهجرة إلى إسبانيا عبر سبتة المحتلة والحصيلة كانت تدفق قرابة 10 آلاف شخص على مدينة سبتة دفعة واحدة في سابقة من نوعها وهو ما أحدث ضجة كبرى في إسبانيا استدعت تنقل رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز شخصياً إلى سبتة، الأوروبيون كعادتهم في مثل هذه القضايا، وعوض التحلي بالموضوعية وبحث أصل الأزمة بين مدريد والرباط، راحوا يعددون ملايين اليورو التي يحصل عليها المغرب مقابل جهوده في الحد من الهجرة، وزير الخارجية المغربي كان قد أكد قبل أسبوع، أن المغرب لن يواصل لعب دركي أوروبا وأنه لم يعد يقبل قياس حسن الجوار بمنافع مالية، بل إنه بات يطلب بشكل واضح وصريح مواقف سياسية تهم مصالحه الوطنية العليا، باختصار شديد يمكن القول إن المغرب شرع في وضع قواعد جديدة للاشتباك بينه وبين جارته الشمالية ومعها أوروبا وهو ما أعاد التأكيد عليه ذات الوزير أمس الخميس.
لفهم ما يجري اليوم بين المغرب وإسبانيا، لا بد أولاً من التذكير بأن العلاقات ذات الطبيعة الدبلوماسية والسياسية بين المغرب وإسبانيا كانت بصفة عامة غير مستقرة وغالباً ما تدخل في دورات تطول أو تقصر، لكن ذلك لم يمنع تطور العلاقات الاقتصادية والأمنية بين البلدين وتنامي المصالح بينهما، وثانياً لا يمكن فهم ما حدث في سبتة من دون استحضار أن الأمر يتعلق بمدينة مغربية محتلة لم يعترف المغرب في أي يوم بسيادة إسبانيا عليها رفقة مدينة مليلية وأزيد من 17 جزيرة في أقصى غرب البحر الأبيض المتوسط، فإذا كان المغرب الرسمي لا يثير موضوع تحرير المدينتين والجزر بصفة علنية، وأنه ما زال يحافظ على العرض الذي قدمه الملك الراحل الحسن الثاني بخصوص إحداث خلية مشتركة مغربية – إسبانية تفكر في حل يحفظ سيادة المغرب والمصالح الإسبانية التي أصبحت أمراً واقعاً بحكم طول فترة الاحتلال، فإن المغرب الشعبي وأغلب القوى السياسية لا يُخفيان أن الأمر يتعلق باستعمار استيطاني كلاسيكي يجب أن ينتهي، لكن الجميع مقتنع بأن تصفية موضوع الصحراء المغربية هو الأولوية اليوم، ما انه لا يجب أن ننسى أن الفوارق في الدخل بين سبتة المحتلة وجوارها المغرب يمثل حالة غير مسبوقة على المستوى الدولي في حالات مماثلة، إذ يبلغ الفرق في الدخل حوالي 17 مرة، وهذا ما يغذي التوتر في المنطقة، الأمر الثالث هو أن غالبية النخب الإسبانية من سياسيين وإعلاميين ومثقفين وحتى المواطن البسيط، يقرون ضمناً بأن المغرب سيسعى في مرحلة ما إلى طرح موضوع تحرير المناطق المحتلة، لذلك وبشكل واعٍ جداً، يستثمرون بشكل مباشر أو غير مباشر في تمديد النزاع المفتعل في الصحراء المغربية، وأن تلك النخب تجد نفسها في اللاحل وفي رمادية الموقف الذي يجعلها تحافظ على مصالحها، وفي نفس الوقت تحافظ على إشغال المغرب واستنزاف مقدراته وتعطيل تنميته.
هذه العناصر مهمة لفهم ما يجري اليوم والذي يعد فصلاً جديداً فقط من فصول الصراع مع الجارة الشمالية، فأحداث سبتة لا يمكن فصلها عن استقبال مدريد لزعيم الانفصاليين إبراهيم غالي بهوية جزائرية مزورة، هذا الأمر شكل النقطة التي أفاضت الكأس في العلاقات بين البلدين، إذ نجد أن إسبانيا ومنذ الاعتراف الأميركي بسيادة المغرب على الصحراء وهي تُسقط عنها الأقنعة وتُظهر عداءها للمغرب، لذلك كان لا بد للمغرب أن يرد ويظهر أهمية الدور الذي يقوم به وأن يستعمل الأوراق التي يملك مع ما شابها من أخطاء ومع ما يطرحه بعض المحللين من مخاوف تهم فعالية تلك الأوراق في المرحلة الحالية.
الساحة الإسبانية أظهرت إنقساماً واضحاً في تقدير الأزمة مع الرباط، ظهر ذلك جلياً في مرافعة زعيم الحزب الشعبي المعارض بابلو كاسادو الذي دافع عن علاقات جيدة مع المغرب وفي ردود فعل رئيس كاتالونيا السابق الذي أقر بمغربية سبتة ومليلية، غير أن توقف التوتر بين البلدين يبقى متوقفاً على أداء حكومة بيدرو سانشيز بخاصة في المرحلة الحالية، سيظهر ذلك بشكل خاص في مدى استكمال المسطرة القضائية في مواجهة إبراهيم غالي زعيم الانفصاليين المتهم بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية والذي وجه له القضاء الإسباني استدعاء رسمياً ورفض التجاوب معه.

عن afriquemondearab

شاهد أيضاً

المغرب يُدشن نظاما إقليميا جديدا

  بقلم : عبد القادر العفسي بالمباشر،لعل ما يغيض “اسبانيا”أكثر هو أنها لم تستطيع اختراق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *